الأردن: نجاة «حيتان السوق» وانتحار «السمك»

0
49

This post has been read 43 times!

سرعان ما ينتشر الخبر ويصبح مدعاة للتسلية. التاجر الأردني الفلاني أو العلاني ترك البلاد وغادرها والوجهة الأقرب دوما هي مصر أو تركيا لغير المحظوظين. والسبب دوما هو نفسه تراكم هائل من الشيكات المرتجعة وكساد في السوق التجاري وضعف شديد في العوائد وسطوة عملاقة من البنوك وتعثر وإخفاق مالي في سداد فوائد البنوك أو في شراء المزيد من البضاعة أو في البيع أو في دفع رواتب الموظفين.
إزاء هذه الصورة التي ترسمها أنباء وأخبار المواقع الإلكترونية والمنصات الاجتماعية بين الحين والآخر، ثمة روايتان للأحداث.
الرواية الأولى رسمية وبيروقراطية تنكر أي دور للسلطة أو الحكومة أو الوزارات في تنكيد عيشة ورزق وعمل أي تاجر خصوصا من طبقة تجار الجملة التي تعتبر وسيطا ما بين المستورد الكبير والحوت وطبقة المستهلكين وصغار التجار. بالنسبة لأنصار هذه الرواية سيطرة التاجر دوما هي الأساس فهو جشع ويفر من البلاد حتى لا يدفع حقوق الدولة والناس.
وعندما يتعلق الأمر بالتدقيق والعلم والتمحيص والمصداقية لا أحد يفرق أحيانا في الشارع وغالبا في الحكومة بين تاجر صغير أو متوسط تعثر حظه المائل فجأة وتأخر بالركود وبين تاجر حوت فالجميع حيتان برأي الجهتين.
والشيطنة حاضرة بقوة وتشويه سمعة الرجل هنا الخيار الأسهل، أما استعراض ما حصل معه ودراسة حالته فهو أمر لا يخص الحكومة لأنها معنية فقط بالحيتان الحقيقيين الضخام والكبار من التجار وكبار المستوردين أو من المحتكرين أصحاب النفوذ والسلطة.
أو حتى من الصناعيين المدللين أو من تلك الطبقة التي يخضع لها الجميع في الأردن بدون استثناء وهي قطاع البنوك حيث مؤسسات مصرفية لا ترحم صغيرا أو فقيرا وهي الوحيدة التي تربح وبكميات هائلة في الأردن.
شخصيا لا أفهم بكل هذه الشؤون. وشخصيا لا يمكنني الاختلاف مع السياسات الحصيفة للبنك المركزي في الحفاظ على استقرار سعر الدينار وحماية النقد.
ولا يمكن الاختلاف ايضا مع كل من يعتبر القطاع المصرفي عنوانا للنجاح قد يكون الوحيد.
لكن وطنيا اسأل وبكل سذاجة ما هي قيمة الأرباح الكبيرة التي يحققها حوت ما في قطاع مصرفي فيما جميع الأسماك المتوسطة والصغيرة إما تنتحر أو تلجأ للسباحة في الأنهر والقنوات المائية المجاورة ؟.

ثمة شيء أسمع وأقرأ عنه في الدنيا اسمه المسؤولية الاجتماعية حيث البنوك الكبيرة من حقها مراكمة الأرباح لكن الرحمة مطلوبة ولديها رسالة اجتماعية ووطنية خصوصا في ظل أزمة اقتصادية ومالية خانقة تجتاح البلد.
بكل حال سيغضب مني جميع المصرفيين وإن كنت لا أعرف أحدا فيهم أصلا لكن ما فهمته أن القطاع البنكي الوحيد الناجح والنشيط والفعال وبنسبة كبيرة فيه رأسمال عربي أو أجنبي.. بمعنى المستفيد في الحلقة الأخيرة ليس المواطن الأردني.
لكن الرواية الثانية في مسار الأحداث ونحن نقرأ الأخبار العاجلة عن هروب تاجر من السوق وتركه لمحلاته وموظفيه وبضاعته هي تلك التي تقول باختصار بأن التاجر وهو صاحب العلاقة مع المستهلك أي مع الشعب، إنسان بمنتهى البساطة قوانين الاحتكار والسوق تلتهمه يوميا والوزراء المعنيون لا يرحمونه، والجميع يشكك بأخلاقه رغم أن القطاع التجاري أصلا بطبقته الوسطى والصغرى يدر الدخل الأكبر على الخزينة.
مشاريع البنية التحتية مثل الباص السريع ترهق التاجر الأردني وملاحقة نحو13 جسما يفتش ويدقق تضغط عليه والبنوك لا ترحمه عند تعثر أو ارتجاع ولو شيك صغير والسوق لا يرحم أيضا خلافا للجمارك والضرائب والرسوم التي تنمو كالخيار «المهرمن» في الثلاجات.
أمام تاجر التجزئة الأردني خياران، إما الانتحار أو الذهاب إلى السجن باعتباره من أفسد الوطن والأمة عند أول منعطف، أما الخيار الثاني فهو تجنب السجن والانتحار والمغادرة الى بلد قريب حتى يتسنى له اجراء اتصال من هنا أو هناك وترتيب التزام اموره المالية. تلك طبعا رواية المعنيين لما يحصل معهم. وهي قابلة للتشكيك في حالات محددة لكن الحيتان الحقيقيين لا أحد يهرب منهم والكبار لا يدفعون ضريبة أو يتهربون بكفاءة من دفعه.
ما ألاحظه كمراقب غير مختص من بعيد هو أنني أوافق على الخيار القاضي بتحريم سجن أو توقيف المتعثر ماليا من التجار المتوسطين ومن شريحة صغار التجار لأن بقاء التاجر خارج السجن مفيد له وللجهة التي تطالبه بالدين المالي والعكس صحيح.
لا فائدة من سجن متعثر ماليا ولا بد من وجود وصفة أو تقنية حكيمة أكثر تضمن أيضا حقوق الناس مع دعوة ملحة لبناء المزيد من السجون أو المقابر في المملكة إذا ما استمرت الأزمة بركودها الحالي حيث سيزيد عدد المتعثرين ووفيات الانتحار أو الجلطة أو يدخل اشخاص لأكثر إلى السجن والله من وراء القصد.

إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

كلمات مفتاحية