بمناسبة العيد والوضع القائم فى الأمة

0
85

This post has been read 73 times!

د. كمال الهلباوى

نسعى وخصوصا فى الأيام والليالى المباركات، مثل شهر رمضان المبارك وليلة القدر والعشر الأوائل من شهر ذى الحجة أن نقوم بعمل صالح يرضى به الله تًعالى عنا ولكن هناك حتى فى هذه الأوقات من الناس – حكاما ومحكومين – فى عصرنا الحاضر من يجتهد فى مخالفة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعلم أو بغير علم، مع قهر وإكراه أو رغبة وهوى مضل من النفس والشيطان، ولا يجتهد فى الفهم والتطبيق والايضاح فى طريق الهدى، ويزعم أنه من أولياء الله الصالحين، بل ممن يطبقون شرع الله ويخلط بين الشرع والفقه. ومن هؤلاء للاسف الشديد من لا يقبلون مراجعة ولا تصويباً ولا تحسينا ولا تطويرا ولا نصحا ولا رأيا غير رأيهم أو عملهم، مهما بدت آثار ذلك السعى أو الافتاء وسوءات قراراتهم وأعمالهم.وربما يعتقد بعضهم فى دعم ترامب لهم فهو النجاة مهما كلفهم ذلك الامر إذ انه لا ترامب ولا أمريكا جمعية خيرية ولا عربة اسعاف أو إنقاذ بل متخصص فى مص الدماء والاموال من فريسته التى تقع فى يده ولكنه يحترم من يفلت منه ومن تهديداته ويكون قادرًا على الرد المناسب ومستعدا له.

يحتفل الناس بالاعياد ويفرحون وهى سنة عظيمة ،  وأعظم ما يحتفلون به حالة السلم والاستقرار والأمن القائم فى المجتمع، والعمل الصالح فى السياسة والاقتصاد والتعليم والاجتماع والتقدم الحضارى بأشكاله.  وقد كان التعبير القرأنى المختصر شاملا وكافيا عن تبيان أهم تلك النعم العظيمة، لعلهم يشكرون “الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ”. ذلك حتى يتفرغوا للتوحيد والعبادة والاعمار وهو من العبادات المهمة وان لم يكن من أركان الاسلام .( فإذا فرغت فإنصب وإلى ربك فارغب)

نحن اليوم على مشارف العيد ، وكل عام والقراء جميعا، والأمة بكل مكوناتها بخير وسعادة. ونحن كذلك فى الأيام العشر من ذى الحجة التى قال عنها صلى الله عليه وسلم (ما من أيام العمل فيهن أفضل من عشر ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله”.

ونحن كذلك فى أيام فريضة من الأركان، وهى فريضة أو ركن الحج ، التى أصبحت للأسف الشديد لبعض من يؤديها أو حتى من يرعاها شكلا دون محتوى، ومشاعر مجردة من الغايات الكبيرة والأهداف النبيلة التى تؤدى بالحاج أن يعود إلى بلده كيوم ولدته أمه بعد أداء الركن ومعه المشاركة فى حل مشاكل الامة والإصلاح بين مكوناتها. ولكن هيهات هيهات. ملايين يجتمعون فى هذه المناسبة العظيمة ويتفروق وكأنهم لم يكونوا فى مكان واحد يسمى عرفات وعليهم واجب الإصلاح والسعى للخروج من الصراع الذى يحيط بهم من كل مكان. ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت).

فى خطبة الوداع الكاشفة المبينة مع التنوع فى الروايات ، نجد الوصايا النبوية العظيمة بما فيها من الأوامر والنواهى الآتية: حرمة الدماء والأموال والأعراض إلى يوم القيامة ، وأداء الامانات إلى أهلها ، والنهى عن الربا ، ونسيان الماضى حتى لو كانت فى الدماء مع التعويض، وطبعا نسيان الكراهية والثأر مع العلاج، حتى تتكون الأمة الصحيحة التى هى خير أمة أخرجت للناس. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ” وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب” ، وبيان الديات أو ما نسميه اليوم بالتعويضات من أعظم العلاجات فى الدنيا وطاعة الخالق سبحانه وتعالى. وممارجاء فى خطبة الوداع كذلك ، والتوصية بالنساء خيرا، والابتعاد عن العدوان ، والمساواة بين البشر(كُلُّكُمْ لِآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ )، (وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ) .

إن نظرة واحدة – ولو سريعة – وليس بالضرورى من باحث أو متخصص على أحوال الأمة اليوم ، والأوضاع السياسية والاقتصادية والاخلاقية والحضارية فيها، تبين بجلاء أننا – حكاما ومحكومين- نسير عكس الاتجاه، ونزعم أننا على الطريق الصحيح، وندافع عن الخطأ من الحكام والمحكومين من أنفسنا بل حتى من المعتدين والمحتلين، ونحمل الفشل للأخرين حتى لا نقوم مما نحن فيه .

أما بشأن الوحدة والمساواة بين خلق الله تعالى فنحن نرى التفرق والتشرذم على مستوى العالم العربى بل والأمة جميعا ، ولم يقف الأمر عند هذا الخزى، بل نرى التفرق والتشرذم فى البلد الواحد بل القضية الواحدة ، حتى القضية المركزية أو التى كانت كذلك لعدة عقود. أعنى قضية فلسطين وصار الحديث علنا عن صفقات مشبوهة مثل صفقة القرن أو ندوات عبثية مثل ورشة البحرين بعد أن كان مجرد ذكر كلمة “إسرائيل ” جريمة فى عهد عبدالناصر رحمة الله تعالى عليه وعلى أمواتنا وشهدائنا جميعا . هذا على المستوى العربى وجامعة الدول العربية ، أما على مستوى منظمة المؤتمر الاسلامى ، فالوضع أسوأ لأنه  باسم الدين.

أما فى ميدان أو مجال إقامة العدل وخصوصا فى الدماء أيها القرّاء الكرام وفى الاموال والأعراض فحدث ولا حرج. قما بالكم بالمجالات الأخرى.  لا نعدم القتل فى اليمن وسوريا والعراق وليبيا والصومال وأفغانستان وغيرها  كل يوم ، وبأنفسنا وبمن يستخدمون الدين لتبرر جرائمهم ومخالفتهم للهدى النبوى وفى الغالب الأعم بأسلحة مستوردة وبوحشية لا نراها فى أصعب لحظات الصراع والحروب فى التاريخ.  كل هذا يصرفنا عن السلام المنشود ، ويصرفنا عن التقدم والأعمار. ومن هنا تزداد الفجوة الحضارية بيننا وبين غيرنا من الخلق ، ليس فقط فى مجال التقنية والتقدم العلمى بل فى الحقوق والواجبات الاساسية ومنها؛ لقمة العيش والحريات والمساواة والعدل والأمن والميدان المسمى بحقوق الانسان .لعل الأعياد القادمة والسنوات القادمة تحمل فكرا أفضل وعقلا أنضج فنخرج من المشكلات والتحديات التى نجلب الكثير منها على أنفسنا، وحتى بعض فتاوى العلماء، وفتوى الاستعانة بالامريكان فى ١٩٩٠ فى مكة المكرمة شاهد على ذلك. وكل عام وانتم بخير وسعادة. وبالله التوفيق

مفكر وكاتب اسلامي مصري