في زمن الاحمق المفيد!…

0
629

This post has been read 605 times!

اسيا العتروس

من شأن الحضور المتدني للدول العربية في مؤتمر المنامة أن يؤكد أن هذه المشاركة لم تكن عن قناعة بأهداف هذا المؤتمر بقدر ما هي نزولا عند ضغوطات معلنة أو خفية للاطراف الراعية له وربما خوفا من ردود فعل أو تهديدات وعقوبات لا تقدر على مواجهتها …أول الملاحظات المرتبطة بهذا الحدث أنه سيكون من الغباء الاعتقاد أن واشنطن التي تعول على هذا المؤتمر ستوفر خمسين مليار دولار لتمويل المشاريع التي تروج لها ..وعلى الدول العربية الحاضنة لهذا المؤتمر  أن  تستعد من الان لتوفير ثمن الصفقة المريبة التي تسبق صفقة القرن الموعودة التي لم يقرأ الرئيس الامريكي دونالد ترامب عراب الصفقة حروفها ولم يطلع على تفاصيلها …..

والخوف كل الخوف أن يتحول هذا المؤتمر الذي ينعقد تحت شعار “الازدهار الاقتصادي مقابل السلام “الى خطوة اضافية  لتحويل الوجهة للقضية الفلسطينية والغاء الجانب القانوني والسياسي فيها وتحويلها الى مجرد ملف انساني يبحث عن توطين اللاجئين في دول اللجوء واطلاق يد اسرائيل نحو ابتلاع ما بقي من الارض …

  الاحمق المفيد أو المغفل المفيد useful idiot مع أنه لا شيئ يؤكد أن المصطلح أطلقه الزعيم السوفياتي السابق لينين  فاننا نستسمحه في استعارة هذا التوصيف الذي يمكن أن يكون عنوانا للمرحلة بل ويمكن أن يختزل المشهد الدولي والعربي بكل ما فيه من عبث حيث يتنافس الكل في تدمير الكل و يسعى الكل الى تحقير واهانة الكل …بالعودة الى جذور المصطلح فان الارجح أنه مصطلح سياسي  أطلقه لينين في وصف تلك الشريحة التي تتفانى في الترويج لحدث أو فكرة دون معرفة  الاطراف الحقيقية والغاية أيضا من ذلك …

استعادة هذا المصطلح يمكن أن يساعد في قراءة الاحداث المتسارعة وما اكثرها في زمن الحمقى المغفلين المفيدين  الذين يهيؤون الارضية  للترويج لخيارات وسياسات تذهب ثمارها الى أطراف لا تريد تصدر المشهد و لكنها تسعى الى الاستفادة و الاستثمار في حالة الارتباك والخوف والتشكيك وحتى الترهيب …وهو ما ينطبق على مؤتمر المنامة و ما يمكن أن يخفيه في طياته من أهداف وحسابات غير التي باتت واضحة للعيان …

كم بيننا من الحمقى المفيدين الذين يروجون ويعملون لنجاح الاخرين و يساعدون عن وعي او عن غير وعي في تدمير الحاضر والمستقبل حتى وان كان ذلك على حسابهم …؟ الاكيد أن وجود هؤلاء مسألة حيوية في لعبة المصالح و هذا ما ادركته واشنطن منذ زمن بعيد و فهمته تل ابيب منذ صدر اعلان ولادتها من رحم الامم المتحدة بتوقيع القوى الكبرى الذي مهدت له مؤامرات الاطراف العربية.. لسنا بصدد الغاء المسؤولية عن الفلسطينيين فلهم نصيبهم ودورهم في وقوع النكبة و النكسة و في كل ما يحدث اليوم بسبب قصر النظر و الصراعات العبثية التي سقطوا فيها , ولكن في غياب الفلسطينيين اليوم عن مؤتمر المنامة وحضور الاسرائيليين  حتى و ان كان على مستوى منخفض ما يؤكد أن الزمن غير الزمن , وأن لعبة المصالح يقودها خيار التطبيع قبل الكشف نهائيا عن بقية مكونات الصفقة التي يمكن التكهن بها لانها لا يمكن أن تكون في خدمة الجانب الفلسطيني او مصلحة الدول العربية او بدافع الحفاظ على الحق الفلسطيني او رفع الاحتلال او استعادة الجولان .. الارجح أن الكويت ظلت بمنأى عن مؤتمر المنامة و قد دعا مجلس الأمة الكويتي صراحة الحكومة إلى مقاطعة أعمال ورشة المنامة ورفض كل ما تسفر عنه من نتائج، تهدف إلى تكريس الاحتلال وإضفاء الشرعية عليه وتحميل الدول الخليجية والعربية نفقات وأعباء تثبيته” و في ذلك ما يؤكد ايضا أن احد اهداف هذا المؤتمر مزيد  التفتيت و التقسيم و التشتيت ..

المشكلة ليست مع ترامب فقد كان واضحا عندما قرر حضور القمة العربية الامريكية قبل سنتين في الرياض, وكان واضحا عندما قرر نقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس المحتلة , وكان اكثر وضوحا عندما اغلق السفارة الفلسطينية في واشنطن وتعمد قف التمويلات للسلطة كما لوكالة الاونروا …وسيذهب ترامب الى ابعد من ذلك وهو يخوض معركته الانتخابية وسيطالب الدول الخليجية الداعمة لمؤتمر المنامة الى تمويل ما سيتقرر من انجازات ان وجدت ولن يكون أمام هذه الاطراف ان ترفض لانها وقعت في ورطة و ليس من اليسير أن تخرج منها … لقد ظل ترامب يؤكد ومنذ دخوله البيت الابيض أنه رجل صفقات بامتياز وأنه قادر على دفع الاطراف المعنية على توقيع ما يريده لتكون بالتالي  الاداة المنفذة للصفقة ..المشكلة مع الدول و الاطراف العربية التي قبلت بدور الاحمق المفيد useful idiot   الذي يتفانى في الترويج لمصالح الغير و يتجاهل ما يمكن ان تحمله من خراب ودمار على ابناء المنطقة التي هو جزء منها ..

صحفية تونسي