كذبتان دمّرتا العراق

0
131

This post has been read 121 times!

ضياء الحكيم

” لا تُنّكل ولا تتهم شخصاً بالكذب دون دليل ، وتدخل في قائمة الكذابين ” . مبدأ حياتي أخلاقي يُبعدنا عن مستنقع الرذيلة ويوفر إستقامة الفكر ، فتابعني هنا إن كنت ترغب في تفاصيل المؤمرة المدمّرة على العراق والتعرف على من أضاع الوازع والدافع والمبدِأ الأخلاقي الأنساني ، والذي جعل من الدولة العراقية ذات التاريخ الحضاري هيكلاً مرميا تنتشله ذئاب مسعورة لحد هذه اللحظة . كما يقول المثل الأنكليزي” الأفضل أن تبيعهم بدلاً من شم رائحتهم “.

الموهبة الفذة الفعالة التي تتقمص بعض رجال السياسة  والدين والمذهب في الكذب والتمويهوتشويه الحقائق لايمكن نكرانها ، وسلوك بعضهمفي تفسير وتقويم إعوجاهم ترك علماء النفس والمجتمع في حيرة من التحليل والمعرفة الدقيقة.

الكذبة الأولى: رافقت الهيجان الإعلامي الصادر من البيت الأبيض الأمريكي في عهد الرئيس جورج بوش الأبن عن العراق ، ملخصها  “حيازة وإمتلاك العراق لأسلحة الدمار الشمال وتمكُن علمائه منتطوير قنابل نووية” . وتناولت الأيادي الأعلامية وأجهزة ومؤسسات المخابرات الصهيونية بخبرة حذقة وموهبة فعّالة ومررتها لأعضاء الكونجرس الأمريكي مرفقة بمعلومات لاترتقي الى الحقيقة. وأفقدت الكذبة صواب بعض رؤساء الدول الأوربية كرئيس الوزراء البريطاني ” توني بلير ” وأرفقها بصور طائرات الأستكشاف والساتلايت ، وقام بحثِ منظمة الدول الأوروبية وممثليها في الأمم المتحدة ومجلس الأمن لتبني قرار التصويتَ رقم 1441 ضد العراق تألفاً مع القرارالسياسي الأمريكي الصهيوني، وعارضته روسيا والصين وفرنسا لأن القرار وفي المادة الثانية منه لايعطي الصلاحية لشن الحرب على بلد أو غزوه بإستعمال القوة العسكرية . 

ولتكريس الكذبة وإستمرار المخادعة فقد لعبت أحداث 11 سبتمبر 2001 بقيام إدارة جورج بوش بإدراج العراق في دول أطلق عليها “محور الشر”مع علمه أن المهاجمين لمركز التجارة العالمي في نيويورك و واشنطن ليسوا من عراقيي الجنسية .بعد إنفضاح الكذبة الأولى تسابقت وكالات الأنباء الأمريكية التي تبشر كذباً بالشفافية والأستقلالية ، تسابقت في تبيان كون مؤسساتها ومراسليها لم تكن ملمة بمناورات لصق الأكاذيب من مصادر أمريكية – إسرائلية – وعربية.    

وأصبح الوقوف تاريخياً على موقف إدارة جورج بوش وإحصائيات القتلى ومن توفي في تلك الفترة ولغاية 2007 أكثر من 100 ألف عراقي عسكري ومدني وأكثر من 4 ألاف ضابط وجنديأمريكي وتبعتها خسائر مادية وبشرية مُروّعة في أقذر كذبة مارسها البيت الأبيض وحاشيته. وقد ظلَأعضاء من الكونجرس الأمريكي من الجمهوريين والديمقراطيين ،الى يومنا هذا يشيرون ين الحين والأخر الى كذب الرئيس جورج بوش وتضليله لهم .

الكذبة الثانية:  ساقها وشيّعها وتولاها عراقيون موالون لفكرة ( خلق كيان لنظام دستوري ديمقراطي عراقي ) كما سأبينه لاحقاً . وموّلت الولايات المتحدة  في عهد الرئيس بيل كلنتون عام 1999، المعارضة العراقية بمبلغ 97 مليون دولار للعمل على إسقاط النظام الدكتاتوري وحكم الطاغية صدام . وتبنت المعارضة هذا المشروع .

وفي البدء شاركت قوى شيعية وسنية وكردية متنفذة وبشرف ومصداقية في إعلانها وبياناتها بأنها تعمل بكل جهدها الوطني وحبها لأرض الوطن على إزاحة النظام الذي نكّل بهم وبأبنائهموأهلهم وشردهم من بيوتهم وقراهم ومدنهم فحملت السلاح بلا تلكؤ.    

في نفس الوقت ،تكالبت على النظام وإستغلته قوى دينية ومذهبية وعشائرية وقومية بلا إستثناء، ظنأ أنها نقلة من السلطة الدكتاتورية الى السلطة الديمقراطية المتكافئة التي أوردها لاحقاً الدستور. فما الذي حصل ؟

الهيئة التشريعية في العراق هي مجلس النواب الذي يضم 329 عضواً ، وهم المفوضون بإنتخبابرئيس الجمهورية ورئيس الوزراء لتشكيل الحكومة، وهم المشرعون للقوانين والموافقة بأغلبية الأصوات على التخصيصات المالية للمشاريع  وإحالتها للحكومة للتنفيذ . 

وصل خليط هذه القوى مع فرقهم وأحزابهم المسلحة الى السلطة مع تناقض وفهم مبهم  للعلوم المالية والإدارية وعقود وعقول الفساد بينهم وبينالشركات الأجنبية. وبدأ التحايل يأخذ طرقا ترافقها مختلف المبررات عن حاجات البلد 1. الملحة للأصلاح السريع و مشاريع إنجازية مطلوبة 2.  التخصيصات المؤجلة التي ستم توكيلها فيما بعد . وهنا هي اللعبة القذرة التي إتبعها نواب ومحافظو إدارة محافظات لمشاريع يوضع لها حجر الأساس ولا تُنفذ لسنوات وسنوات . وبدلأ من قيام الهيئات القضائية بإتخاذ قرارات أكثر تصلباً في المحاسبة والعقاب وردع السراق ، رأينا إن الأمور فلتت من أيديها وإزدادت نسب السرقات بل وتضاعفت . 

وتداخلت النقطة أعلاه في السجال والتضارب عندما علمَ أعضاء مجلس النواب وفرقهم المذهبية والقومية أن تقرير ميزانية الدولة وإقرارها للحكومة ووزارة المالية تقع بين أيدي لجانهم ، وقد خوّلهم الدستور بإضافات مالية يرتأونها وتشريعها لرواتبهم ورواتب وأسلحة حماياتهم وسياراتهم الخاصة ، كذلك من خلال الوحي والإلهام الألهي ليكون العجز المالي والقروض على عاتق الدولة والنهب الدستوري الشرعي لهم ولعوائلهم  ولأعوانهم .

ومهما أستمر عقد جلسات النواب بهدف تمرير الموازنة قبل نهاية عام 2018 ودخول العام الجديد ، فأنهم ليسوا ذو خبرة ومعرفة بمضامينها وإستيفاء وتسديد الديون الأجنبية ، وعجز مالي وقروض خارجية أجنبية بفائدة عالية مفروضةناهيك عن مضاربات واحتجاجات المحافظات والجماهير الغاضبة التي تشير لهم الى تردي الخدمات وارتفاع معدلات البطالة.  

ضع في الأعتبار أن مشروع الموازنة المثيرة للجدل تبلغ 108 مليارات دولار بعجز مقداره 19 مليار دولار، حيث لايُعتقد أن إيرادات النفط التخمينية ستغطيها ، ومناقشات تعديل بعض التخصيصاتوالغاء البعض الاخر يزيد من النقمة والتوتروالأضطراب المالي.     وقد يستخف البعض بالنكتة الطريفة حيث سأل نائب برلماني نائبا أخر وهما يدخلان المنطقة الخضراء لإستئناف إقرار الميزانية “هل أنت أسد خائف أم أرنب سعيد ” فإبتسم الأخر دون إجابة.                 

ومع أن ميزانية الدولة تم نهبها سنة بعد سنة ، فمايزال نواب المجلس يبشرون الشعب بإنجازات لا واقع لها وبإسناد من هيئات قضائية مطيعة تسند شرعية مايجري من إضطراب ، حيث قلبت وفقها مبادئ الديمقراطية الدستورية والمحاسبة رأساً على عقب بمئات من الفقرات والبنود التي نقلوها عن كتب ومستلزمات دون تدقيق موادهاوأبوابها وبشروا أهل العراق بأنهم الخدم الحريص على أموال الدولة ودخلها السنوي.

الكذب له أسبابه عند جلوس سياسي في موقع القرار دون رقابة ، فهو وبكل بساطة يستطيع إستغلال الفرصة المناسبة لسرقة المال والحال وراحة البال.  

باحث ومحلل سياسي   

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه