القوانين الإسرائيلية ضد الأسرى الفلسطينيين.. وقصتي مع كريم يونس

0
103

This post has been read 98 times!

حسن لافي

كاتب فلسطيني مختص بالشأن الإسرائيلي

06 كانون الثاني 15:41 150

على مدار سبعين عاماً من الاحتلال هل نجحت “إسرائيل” في مساعيها لهزيمة فكرة المقاومة ضد قوة احتلالها من خلال حربها الشعواء على الحركة الأسيرة الفلسطينية؟

يظن الصهيوني أن الأسير الفلسطيني سيصل لحالة من اليأس تجعله يكفر بكل المبادىء الوطنية الفلسطينية العادلة

يظن الصهيوني أن الأسير الفلسطيني سيصل لحالة من اليأس تجعله يكفر بكل المبادىء الوطنية الفلسطينية العادلة

شهدت  سنوات عمر الحكومة الصهيونية الأكثر يمينية في تاريخ دولة الاحتلال, تنافساً محموماً بين أوساط أحزابها اليمينية المتطرفة المشكلة للإتلاف الحاكم وفي مقدمتها حزب “اسرائيل بيتنا” بزعامة الفاشي “أفيغدور ليبرمان” في مجال سن القوانين ضد الأسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية, الأمر الذي اعتبرته الحركة الأسيرة الفلسطينية بمثابة اعلان حربا مفتوحة على الأسير الفلسطيني كقيمة وطنية وكرمز للوحدة الفلسطينية, وذلك استكمالا للخطة الصهيونية لوأد المقاومة وخاصة في الضفة الغربية والقدس, التي تنفذها دولة الاحتلال وأجهزتها الأمنية منذ انتفاضة الأقصى الهادفة إلى كي الوعي لدى الشباب الفلسطيني من خلال قتل فكرة النموذج المقاوم الملهم للجماهير الفلسطينية, الذي يمثل الأسير الفلسطيني أبهى صوره.

يتضح من خلال نوعية القوانين التي تم طرحها للتشريع في الكنيست الإسرائيلي خلال فترة حكومة اليمين الديني الفاشي الصهيوني أن الخطة الصهيونية تسير في مسارين متكاملين في حربها على رمزية الأسير الفلسطيني.

المسار الأول, السعي إلى افراغ الأسير الفلسطيني من مضامينه القيمية الوطنية المقاومة, من خلال سلسة من القوانين, مثل قانون منع الأسرى الفلسطينيين من التعليم, وقانون اعدام الاسرى, وقوانين عدم الافراج المبكر بثلثي المدة للأسير الفلسطيني رغم ندارة حدوثه, ناهيك عن قائمة طويلة  من الممارسات الغير قانونية أو المشرعنة بالقانون الاسرائيلي في سبيل التضييق على حياة الأسرى الفلسطينيين المعيشية اليومية, وبتلك القوانين النازية يظن الصهيوني أن الأسير الفلسطيني سيصل لحالة من اليأس تجعله يكفر بكل المبادىء الوطنية الفلسطينية العادلة التي من أجلها حمل السلاح ضد الاحتلال, ويتحول إلى إنسان ناقم على كل شيء كان سببا لدخوله السجن.

المسار الثاني, مرتبط بعوائل وأهالي الأسرى خارج الأسر, فقوانين هدم بيوت منفذي العمليات البطولية ضد الاحتلال من الأسرى الفلسطينيين, وقوانين قطع المخصصات المالية التي تقدمها منظمة التحرير الفلسطينية لعوائل الأسرى تحت ذريعة دعم الارهاب وتجفيف منابعه, والتضييق على أهالي الأسرى في السفر وتصاريح العمل والملاحقات والمداهمات المستمرة لبيوتهم, كل ذلك يأتي في سياق محاولة دولة الاحتلال للقضاء على نظرة الجماهير إلى الأسير الفلسطيني على أنه بطل وطني محل فخر لعائلته وقريته و مدينته, ليتحول إلى نقمة وعذاب لكل العائلة والبيئة التي أخرجت هذا الأسير, والهدف من وراء ذلك ردع كل شاب فلسطيني يحاول الاقدام على فعل المقاومة من خلال خلق حالة من الخوف لديه على مصير عائلته وأهله جراء هذه المقاومة.

على مدار سبعين عاماً من الاحتلال هل نجحت “إسرائيل” في مساعيها لهزيمة فكرة المقاومة ضد قوة احتلالها من خلال حربها الشعواء على الحركة الأسيرة الفلسطينية؟.

إجابة السؤال في قصة, كاتب هذا المقال شاهد على أحداثها كونه أسيراً سابقاً, بعد عدوان 2014 تم نقلي إلى سجن “هداريم” في وسط فلسطين المحتلة, السجن الذي يعتبر بمثابة عزل لقيادات الحركة الأسيرة, عندما وصلت إلى سجن هداريم وبدأت بعملية التعارف على الأسرى المتواجدين  في السجن حسب الأصول المتبعة داخل الحركة الأسيرة, تقدم نحوي أسير شعره مليء بالشيب, ويبدو كبر السن على وجهه, سلم علي مرحبا, عانقني بحرارة, وبدأ يطمئن على أحوالي, ما لفت انتباهي بهذا الأسير أنه يتكلم بأسلوب الشباب, ومفعم بالحيوية, بعكس ما يبدو على وجهه من تجاعيد حفرتها سنين عمره, هذا الأسير كان “كريم يونس”,  ابن قرية عارة في منطقة المثلث الشمالي داخل أراضينا المحتلة عام 1948م, المحكوم بأربعين سنة, أمضى منها حتى كتابة هذه المقالة ستة وثلاثين عاماً متتالية, ليصبح عميد الأسرى الفلسطينيين والعرب داخل السجون الإسرائيلية.

في الصباح وكالمعتاد يسمح للأسرى للخروج إلى ما يسمى فورة الرياضة, وهي فترة ساعة من الوقت يمارس بها الأسير رياضة الركض وبعض التمارين الرياضية داخل ساحة السجن, ما هالني أن كريم يونس ابن العقد السادس من عمره, هو من يتقدم صفوف الأسرى في الركض, وأنه يشارك  الشباب من الأسرى التمارين الرياضية ويتفوق على بعضهم ببعض التمارين المعتاد على ممارستها منذ 31 عاما في الأسر, لم يتوقف ذهولي من كريم يونس عند هذا الحد, فلقد جمعتني دراسة الماجستير تحت اشراف الدكتور الأسير مروان البرغوثي مرة ثانية مع كريم عميد الأسرى, فكانت قاعة الدراسة هي ساحة السجن نجلس لمدة ثلاث ساعات مدة المحاضرة الواحدة, ناهيك عن أن الدراسة بغياب أي من تقنيات الطباعة والتصوير معتمدة بالكامل على النسخ والكتابة اليدوية, وكنا نتذمر للدكتور مروان فكان ينظر إلى كريم يونس ويقول: “إذا عميد الأسرى يقوم بكامل متطلبات الدراسة فلا لأحد منكم عذراً”.

الإرادة والصلابة لدى كريم يونس, ناهيك عن روحه المرحة جعلتني أقترب بإعجاب أكثر وأكثر من صداقته, مما أتاح لي الاطلالة على كريم يونس الذي حرمه الاعتقال من اتمام دراسته الجامعية, ومن ثم منعته مصلحة السجون الإسرائيلية من التعليم الجامعي في الجامعة المفتوحة العبرية لدوره النضالي داخل الأسر, لكن إرادة المقاوم أبت إلا أن تتحدى نازية السجان, وليؤسس الدكتور الأسير مروان البرغوثي بمشاركة كريم يونس جامعة داخل سجن هداريم, يتمم بها كريم دراسة البكالوريوس, ومن ثم الماجستير, ليحقق حلما لم يغب عن ذهنه  على مدار 32 عاما, ليسجل عميد الأسرى كريم يونس نصراً على كل آلة الحقد الصهيوني.

ليس غريباً على روح كريم يونس التي لم تهزمها ستة وثلاثين عاماً من الأسر أن تقود اضراب الأسرى عن الطعام لأكثر من أربعين يوماً ولم تنكسر, ولن أنسى كلمته في حينها “أهدي ما بقي من عمري إلى الحرية, لن نتراجع حتى ولو حملونا جثثاً”.