العرب ونظرية الفلاح البولندي

0
267

This post has been read 134 times!

العرب ونظرية الفلاح البولندي كتب: ناصر قمش حصلت هيلين توماس على شهرة واسعة في الأوساط الصحفية الأمريكية المرتبطة بالبيت الأبيض، ولا يعلم كثير من العرب الذين تحدثوا في تغطيات كثيرة متعاطفة عن واقعة استقالتها بعد مطالبة المتحدث باسم البيت الأبيض روبرت غيبس لها بالاعتذار على إثر تصريحات انتقدت فيها المهاجرين اليهود إلى اسرائيل، أن هيلين هي الابنة لعائلة لبنانية، وتعتبر هيلين نموذجاً للشخصية العربية التي استطاعت أن تخرج من بوتقة الارتباط ببيئتها العربية على الأقل في مسيرتها المهنية ومن خلال تعاملها مع أنماط الحياة الأمريكية، ولا يمكن أن تعتبر مواقفها السياسية أثراً لأصولها العربية بقدر ما كانت تعبيراً عن الأيديولوجية التي تتبناها توماس، فتوماس أمريكية مندمجة على الرغم من أنها ابنة للجيل الأول المولود في العالم الجديد لأسرتها. رالف نادر نموذج آخر لابن الجيل الأول الذي استطاع أن يندمج في الحياة الأمريكية وأن يبني مسيرة مهنية ناجحة متصلة بعمل سياسي اتخذ طابعاً مختلفاً، فبقي مرشحاً مزمناً للانتخابات الأمريكية يتحصل على صدى إعلامي بأكثر مما يستهدف الوصول إلى تأثير سياسي حقيقي، ونادر هو الآخر استطاع أن يكون أمريكياً إلى حد بعيد. الشخصيتين من أبناء أسر وصلت إلى العالم الجديد مبكراً، واستطاعا أن تعيشا في وسط أمريكي، فكانا بمعزل عن المؤثرات التي تخلقها ظاهرة الفلاح البولندي التي تحدث عنها فلوريان زنانكي ووليام توماس في كتابهما المشترك الفلاح البولندي في أوروبا وأمريكا، وما خلصا له من أن البولنديين على الرغم من كثافة وجودهم في الولايات المتحدة لم يتمكنوا بسهولة من التحول إلى أمريكيين وبقيوا يمثلون إثنية خاصة تسمى بالأمريكيين البولنديين. يمكن أن الجذور المارونية لكل من توماس ونادر أثرت بصورة كبيرة في الاندماج بالمجتمع الأمريكي، فالطائفة المارونية التي نشأت في سوريا حملت قناعة بتميزها وانفرادها عن المجتمع المحيط بها، وانتقلت إلى لبنان لتحصل على موطن منفتح على البحر المتوسط، ولعبت دوراً كبيراً في الحملات التي عرفت بالصليبية على شرق المتوسط، وظهرت في هذه الطائفة العديد من الشخصيات التي حاولت أن تنظر لحالة من الانسلاخ عن الوسط العربي، وأن تمد جذوراً من التواصل مع أوروبا الكاثوليكية، وكانت الطائفة تلعب دوراً ريادياً في الثقافة والأدب بانفتاحها المبكر والكبير على أوروبا، وتعود جذور أول مهاجر طوعي للولايات المتحدة سنة 1854 أنطونيوس بشعلاني لهذه الطائفة التي كانت تحمل شعوراً بوضعية الأقلية المستضعفة في وسط جيرانها، وهو الأمر الذي أظهرته بصورة عملية وقائع الحرب الأهلية التي نشبت بينها وبين الدروز أولاً لتتحول إلى اشتباكات واسعة بين المسلمين والمسيحيين ابتداء من سنة 1860. بالعودة إلى نظرية الفلاح البولندي، نجد أن التجربة العربية في المراحل اللاحقة بدأت تشكل لإثنية العربي – الأمريكي وتعتبر في حد ذاتها عائقاً أمام الاندماج في المجتمع الأمريكي، فالمهاجرون الجدد في القرن العشرين لم يعودوا يصلون إلى أرض بكر ويخوضون معركة اثبات الذات والبقاء لوحدهم في وسط مجتمع متعدد يفرض من خلال تعدده اللجوء إلى هوية مرجعية وهي الأمركة، ولكنهم يحصلون على دعم واسناد مباشر بمجرد وصولهم من الأقارب والمنتمين إلى نفس المدن والبلدات الأصلية بمجرد وجودهم على الأرض الأمريكية، وتشمل أوجه الدعم التي يتلقونها المساعدة في اختيار مكان الإقامة والبحث عن فرص العمل والإعاشة، وصولاً إلى الالتزام بالمناسبات الاجتماعية ومحاولة الزواج من داخل الإثنية العربية وذلك سواء للمسيحيين أو المسلمين، وجدير بالذكر أن طبيعة المسجد كمؤسسة اجتماعية لعبت دوراً في أن يكون مقصداً حتى لمن لا يملكون صلات اجتماعية سابقة في الولايات المتحدة، وذلك لوجود التعاون الضمني أو التكافل وفق ما يعرف حسب المصطلحات الإسلامية والذي يطلب من المسلمين أن يقدموا يد العون لأبناء الدين نفسه لدى الحاجة. ولعل مصطلح الهجرة وفق مرجعيته الدينية والذي يشير إلى الهجرة التي وقعت من مكة إلى المدينة (يثرب) للهروب من اضطهاد قبيلة قريش للدعوة الإسلامية، يتضمن اجراءات لاحتضان المهاجرين الجدد وصلت إلى حد مشاركتهم في جميع الممتلكات بما يسمى بالأثرة أو التآخي، ومع أن ذلك لم يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا في أي مكان آخر بعد الهجرة الإسلامية التي تعتبر واحدة من أصول الثقافة الإسلامية، إلا أن نوعاً من المساعدة كان يظهر من مؤسسة المسجد لدى وصول المهاجرين الجدد للولايات المتحدة، والحصول على هذه المساعدات مهما كانت ضئيلة أو متواضعة، تتضمن في المقابل   نوعاً من الولاء الذي يقدمه المهاجر للمجتمع الذي احتضنه، وسيتعرض الكتاب لتجارب المهاجرين مع مؤسسة المسجد وتاريخ هذه المؤسسة في الولايات المتحدة، والانعطافة الكبيرة التي شهدتها بعد أحداث سبتمبر 2001، والتحديات التي نتجت عنها. التمركز في أماكن معينة، والصلات الاقتصادية المعقدة والمتشابكة بين أبناء المهاجرين العرب، وطبيعة إدارة العلاقات والثقة المطلوبة للعمل، ورؤيتهم لأنفسهم في الوسط الأمريكي الأوسع، وكلها موضوعات سيتعرض لها البحث لاحقاً، يجعلان المجتمع العربي يعيش تجربته الخاصة التي يمكن مقارنتها بتجربة الفلاح البولندي، ولعلها تخطت نظيرتها البولندية في تعقيداتها ونزعتها إلى الاعتمادية المتبادلة بين المهاجرين، إلا أن ذلك لم يتشكل عنه، حتى الآن على الأقل، تشكل مجتمع الغيتو بين المهاجرين العرب، مع وجود بوادر يجب التنبه لها وخاصة مع حوادث العنف التي توجهت للمسلمين، وخاصة العرب في السنوات الأخيرة.