عن بطولات وتضحيات المقدسيات

0
156

This post has been read 81 times!

عن بطولات وتضحيات المقدسيات

فجّر الاحتلال الصهيوني لفلسطين طاقات النساء المقدسيات للكفاح وتقديم شهداء للقضية إذ واجهت المرأة المقدسية جميع صنوف التهجير والاستيطان والاحتلال.  قراءة

كتاب "إظهار الثبات في تراجم النساء المقدسيات" للكاتب عبد الحميد جمال الفراني

كتاب “إظهار الثبات في تراجم النساء المقدسيات” للكاتب عبد الحميد جمال الفراني

في دراسة مهمة تجمع بين كتب التراجم والتاريخ الشفوي والسير الذاتية وحفظ للذاكرة الفلسطينية والمرأة العربية عامة والمقدسية خاصة، يأتي هذا المعجم لنساء بيت المقدس المناضلات منذ زمن بعيد حتى الآن مع التركيز على الفترة المعاصرة، جمع فيه المؤلف 270 شخصية مقدسية من نساء بيت المقدس كنموذج مشرف لسيدات بيت المقدس.

ويبدأ الكاتب بنبذة عن البيئة التى وجدت فيها المقدسيات وهي مدينة القدس التي تمتعت بمكانة عظيمة منذ القدم؛ لمباركة الله عز وجل لها، حيث قال: ﴿ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]، فإن بركة الله عز وجل شملت كل شيء في القدس، وبشكل خاص رجالها ونساءها. وزاد الله عز وجل هذه الأرض تشريفاً بأنَّ أسرى إليها رسول الله، فبهذا التشريف وجه الله عز وجل جميع أنظار المسلمين إليها، وزرع في نفوسهم تشريف هذه البلاد وتعظيمها. ومن عظمة هذه الأرض أنَّ حوت بين طياتها المسجد الأقصى، فوجه النبي جميع أنظار المسلمين إليه، وأمر أمته بزيارته؛ فقال: “لَا تَشُدُّوا الرِّحَالَ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى”. وقال أيضاً: “لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللَّهَ ثَلَاثًا: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ” فَقَالَ النَّبِيُّ: «أَمَّا اثْنَتَانِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ».

وميمونة مولاة النبي “قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ: «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ» وَكَانَتِ الْبِلَادُ إِذْ ذَاكَ حَرْبًا، «فَإِنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ، فَابْعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِي قَنَادِيلِهِ». لأجل ذلك اهتم بها المسلمون اهتماماً كبيراً منذ أن فُتحت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ومن اهتماماته بها أن جعل جميع أراضي فلسطين وقفاً على المسلمين، ولم يخصصها للجيش الفاتح؛ حتى يزرع في نفوس المسلمين بأنَّ فلسطين أرض وقف لجميع المسلمين؛ ليحافظوا عليها، ويحموها بالغالي والنفيس. 

منهج البحث الذى استخدمه المؤلف

أعطى المؤلف مساحة لإبراز النساء المقدسيات الرائدات الماجدات اللواتي كن علامة بارزة في مجالات عدة كالسياسة والتعليم الأكاديمي والعلوم الشرعية والأدب والاقتصاد والطب وغيرها، وهي محاولة لتأطير عطائهن وانجازهن ليكون في متناول من يودون قراءة المرأة الفلسطينية في مواقعها المختلفة بشكل منظم من موقع واحد. كما يطل المعجم على من اقترنت أسماؤهن بالوطن شهيدات كن أو أسيرات وثائرات ومرابطات، حتى يرسخ بين أيدينا بأنَّ نساء القدس، ضحين من أجل مدينتهن بالغالي والنفيس، والله غالب على أمره.

وطبقا لما وقع بين يديه من مصادر ومراجع خاصة تلك المتعلقة بالتراجم والطبقات، قام المؤلف بمراسلة العديد من النساء اللواتي ترجمت لهن من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت الشبكة العنكبوتية بما اشتملت عليه من أخبار وصحف من المصادر المهمة للحصول على تراجم عدد من النساء المقدسيات، ناهيك عن اللقاءات المسموعة والمشاهدة لعدد من الشاعرات والكاتبات المقدسيات التي كان لها دور في مد المؤلف بالكثير من المعلومات.

يحكي المؤلف طريقته في توثيق وكتابة تراجم السيدات المقدسيات في كتابه موضحاً:

1- قام بذكر النساء المقدسيات ممن ولدن في القدس أو نسبن إليها سواء كن من طينتها أو زرنها، سواء أقمن في القدس أو هاجرن منها، أو ولدن خارجها لكن أصولهن منها، منذ أقدم العصور حتى عام (2018).

2- قام بالترجمة الكاملة للنساء المقدسيات مهما صغرن أو كبرن.

3- رتب تراجم النساء المقدسيات على حروف المعجم.

الاحتلال الصهيوني خلق بطولات نسوية مقدسية

     أوضح المؤلف أن الاحتلال الصهيوني لفلسطين قد فجّر طاقات النساء المقدسيات للكفاح وتقديم شهداء للقضية ورجال، فعلى مدى نحو 70 عاماً واجهت المرأة المقدسية ما واجهه أبناء شعبها الفلسطيني كافة من شتات صنوف التشرد والتهجير ومصادرة الحق في التعبير عن الانتماء والهوية الوطنية وممارسة الحياة الحرة الطبيعية، والاستيلاء على الأملاك وتكميم الأفواه وقمع ومصادرة الحريات العامة، ومحاربة قيم المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.

وكانت المرأة المقدسية دوماً شريكة للرجل في مسيرة النضال الطويلة، تقف إلى جانبه وتسانده وتقوم بالدور اليوميّ المتواصل الملقى على عاتقها لخدمة وطنها وقضيتها العادلة على أكمل وجه. وقد تجلى ذلك بنماذج ساطعة حفرت تجاربها على جدران التاريخ في شتى الميادين وعلى كل المستويات.

لقد واجهت المرأة المقدسية كل الانتهاكات الاحتلالية، وواجهت كل الظروف الصعبة والحالكة من أعمال العربدة والقهر الاحتلالي والتمييز المجتمعي، ومن صفوف المرأة كانت الشهيدة والأسيرة وأم الشهيد وأخته وزوجته، وكانت على الدوام ضحية هذا الاحتلال الذي لم يستثنٍ أحداً طيلة سنوات الاحتلال المظلّمة التي تلقي بظلالها على المشهد الفلسطيني ككل.

ورغم كل هذه المعاناة التي تتعرض للمرأة المقدسية بشكل خاص وشعبها الفلسطيني بشكل عام، إلا أن نضال المرأة المقدسية لم يتوقف ولن يتوقف وطنياً وسياسياً ونضالياً ونقابياً واجتماعياً وجماهيرياً، وسجّلت المرأة بأطرها ومؤسساتها الفاعلة حضوراً مميزًا، أعطى للمشهد الفلسطيني نكهته الخاصة والمتكاملة.

والمرأة المقدسية ليست وجهاً واحداً، ليست سنديانة منفردةً وسط آلاف الأشجار، ليست نجمة يتيمة فقيرة النور، ليست حالة فريدةً عصية على التكرار والتناسخ، بل هي ثلة من نساء وفتيات تقدمنَ الصفوف وكنّ أطواداً في معركة الأقصى، وشموساً تمتدّ من سماء إلى أخرى، ووروداً تتفتح ثورة وعطاءً في أكثر من ساحة.

هي عشرات أخرى من المرابطات حول الأقصى، لا يبالين بقمع ولا يعجزهن حَرّ أو طول مكوث، ولا تشدّهن نداءات الراحة والاستكانة. وهي مئات في الساحات القريبة من الأقصى ومدن الضفة الغربية، يلبّين نداءه، ويحملن همّه، وينصرن قضيته في الميدان.

هي كلّ أمهات الشهداء اللواتي لا ينتقص دمع الفراق من يقينهنّ وصبرهن، فيحمدن الله على المصاب وعلى أن شرفهنّ بأن كنّ منجبات لفرسان الأقصى والمدافعين عنه.

ليس مهماً أن يلتفت الإعلام في إطار تغطيته لدور المرأة الميداني إلى تلك الشكليات التي تشغله عادة، كأن يبحث في دلالات دور المرأة في هذه المعركة من جهة كونها تُعطي مؤشراً على انفتاح المجتمع وتقبّله أن تمارس المرأة أدواراً عامة، أو من جهة ازدياد قناعاته بالمساواة بين الجنسين، ونحو ذلك. فتلك محض أوهام، لأن المجتمع -أي مجتمع- ما كان ليمنح المرأة المجاهدة والمرابطة ومنجبة الأبطال وافر احترامه لولا أنها ابتداءً فرضت معادلات جديدة، وقاومت رتلاً من الخرافات، وصدّت حراب التقاليد الصماء، حتى أفهمت من حولها أن دورها في المقاومة والرباط يمثّل أولوية في خياراتها الحياتية، وأن حصيلة استعدادها للصمود ستهزم تلك المحاولات الوصائية البلهاء حين يظنّ بعضهم أن من حقّه أن يحدد للمرأة قالباً ينحبس فيه نشاطها وتتكيف وِفْق مقاساته عزيمتها، وأن يسرد عليها قائمة أولويات ومطالب، تأتي المشاركة في الثورة في آخرها، أو لا تأتي أصلاً لدى أعراف وعقليات تؤمن بالقعود منهجاً للحياة، ولا تستوعب أن يحطّم عهده الرجال فضلاً عن النساء.

المرأة في ظلال الأقصى هي أيضاً امرأة في ظلال رجل عظيم وشهم وموفور المروءة، يشدّ من أزرها ويقدّر إباءها ويُعينها على تجاوز النوائب، ولذلك فهي أيضاً ملهمة للرجال الذين يقفون معها في ميدان الرباط والجهاد، ومحرّضة لِهِمَم الذين لم يحسموا أمرهم بعد، ولا تزال أثقال القعود تنهك أطرافهم. وهي من جهة أخرى تشكّل استفزازاً لمن لم ولن يروا في المرأة أكثر من متاع، ويسوؤهم أن تسبقهم في ميدان أو تدفع بأبطال استثنائيين إلى المعركة بعد أن رعَت فيهم بذرة الإقدام، وكانت أعرف بمتطلبات الحرية من رجال كثيرين لا يسعهم مجاراة عنفوانها، فيختارون قمعها إن استطاعوا، أو إشغالها عن واجباتها الكبرى، أو استنزاف طاقتها في شؤون تصبح تافهة حين يعلو نجم النفير، ويطلب المهتدين بنوره، رجالاً ونساءً.

المرابطات في المسجد الأقصى

 وضح الكاتب بطولات المرابطات في ساحات الأقصى ضد اعتداء الاحتلال على بعضهنّ في تشرين الأول – أكتوبر 2015 إذ وقفت النساء المقدسيات على خط المواجهة الأول مع الاحتلال، حيث كان لهن النصيب الأكبر من الانتهاكات والاعتداءات المباشرة، بعد أن أخذن على عاتقهن مسؤولية الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك بتصديهن لاقتحامات المستوطنين اليومية له.

وتعرضت مئات المقدسيات لاعتداءات مختلفة تمثلت بالضرب المبرح والاستهداف بالرصاص المطاطي وقنابل الغاز، بالإضافة إلى الاعتقال والإبعاد والتهديد بسحب الهوية الشخصية والترحيل خارج القدس المحتلة.

وقد أدركت نساء القدس المسؤولية وعملن على تغطية كل ما يحتاجه المجاهدون من أموالهن الخاصة. لقد استنفرت نساء القدس، وشددن الهمم وطهون الطعام وقدمنه هنيئاً للمعتصمين. وقدمن الشراب والدواء والماء، وفتحن بيوتهن للمتعبين والجرحى وأدخلن المسعفين ليقوموا بواجبهم. لم تطلب نساء القدس شكرا، ولم ينتظرن جزاء إلا من الله سبحانه وتعالى، وبذلك ضربن المثل الأعلى في الكرم والتضحية والسخاء.

في عمل نساء القدس المبارك ما يؤكد لكل الشعب الفلسطيني أننا قادرون على حمل بعضنا البعض، وإذا عزمنا على التكافل والتضامن فإننا لن نحتاج أموالاً من أحد، ولن نحتاج الطحين والسكر والأرز. دائماً الاعتماد على الذات يقي الذات من المذلة، ويمنع الآخرين من التحكم بالإرادة السياسية. نحن اعتمدنا على أنفسنا في القدس، ولولا إجراءات الاحتلال القمعية لرأينا مئات الآلاف من الناس يتدفقون إلى الأقصى حاملين معهم كل ما يلزم من الاحتياجات اليومية للجميع.

لا يمكن رؤية وضع المرأة المقدسية ومدى مشاركتها في الحياة السياسية والعامة، وفي مواقع صنع القرار وتقلّد المناصب العامة، إلا من خلال الغوص عميقاً في الظروف المجتمعية التي تحيط بها؛ ما يحتم ضرورة إلقاء الضوء على واقعها المجتمعي، باعتباره عاملاً مهماً في تحديد ورسم ملامح هويتها.

والمجتمع الفلسطيني لا يختلف كثيراً عن المجتمعات العربية الأخرى من حيث الموروث الثقافي والبنية الاجتماعية والاقتصادية؛ إلا أن الأمر لا يخلو من بعض الخصوصية؛ إذ لا يمكن مقارنة وضع مجتمع يعيش حالة من الاستقرار (ولو بالمعنى النسبي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، بمجتمع مناضل يسعى بكل أفراده للخلاص من الاحتلال ونيل الحرية؛ فسلك العديد من السبل في شتى ميادين الحياة، وفي شتى ميادين النضال، فصقلته إنسانًا متميزًا بعقله وتفكيره وأساليبه؛ إذ إن سمو الهدف أملى عليه هذا التميّز؛ فانصرف عن العديد من اهتمامات الشعوب، واقتصر توجهه على تحقيق هدف مقدس؛ كي يضمن مستقبلًا آمنًا وحياة كريمة دائمة لأبنائه.

النساء المقدسيات الشهيدات

عرض الكتاب نماذج لنساء مقدسيات شهيدات نتيجة مشاركة المرأة المقدسية الرجل في مختلف مراحل النضال ضد الانتداب البريطاني، ثم الاحتلال الإسرائيلي؛ حيث أخذت المرأة الفلسطينية موقعها في صفوف المقاومة الفلسطينية؛ فارتقت العديد من النساء المقدسية شهيدات، كما حدث أثناء معركة البراق عام 1929 عندما سقطت 9 شهيدات.

ولا تزال المرأة المقدسية تقف جنباً إلى جنب مع الرجل الفلسطيني في مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر على شعبنا، وتتعرض للعديد من الانتهاكات على أيدي جنود الاحتلال، وأبرز هذه الانتهاكات: قتل العديد من النساء؛ واعتقال العديد منهن؛ وإعاقة وصول حالات الولادة إلى المستشفيات؛ ما اضطر العديد منهن إلى الوضع على حواجز الاحتلال. كما تتعرض العديد من النساء إلى عمليات الإجهاض المقصودة؛ فدولة الاحتلال ترى في كل مولود عدوًا منافسًا يجب قتله؛ هذا عدا ما تتعرض له العديد من النساء والطالبات من الإهانات بالضرب والشتم. 

المقدسيات والحياة السياسية

لقد خاضت المرأة المقدسية غمار الحياة السياسية منذ أواخر القرن التاسع عشر، عندما نظمت المرأة الفلسطينية أول تظاهرة احتجاج ضد الاستيطان اليهودي في فلسطين، بعد أن أقيمت أول مستوطنة يهودية في منطقة العفولة الفلسطينية، وكان ذلك عام 1893، ثم أعقبها تشكيل الجمعيات الخيرية التي شكّلت الأولى لانطلاقة المرأة الفلسطينية نحو اندماجها في قضايا مجتمعها؛ لتتبلور بعد ذلك نتيجة الظروف السياسية التي مرت بها البلاد.

وفي عام 1929؛ عقد أول مؤتمر نسائي فلسطيني في القدس انبثقت منه “اللجنة التنفيذية لجمعية السيدات العربيات”، ثم أنشئ في العام نفسه “الاتحاد النسائي العربي” في القدس، وآخر في نابلس.

وكانت الانطلاقة الحقيقية في مستوى مشاركة المرأة المقدسية في الحياة السياسية قد حصلت بعد تشكيل “منظمة التحرير الفلسطينية” في عام 1964، والذي أعقبه تشكيل “الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية”. وحظيت المرأة الفلسطينية بـ”كوتة” في المجلس الوطني تراوحت بين 2% في 1964 إلى 7.5% في دورة المجلس التي عقدها في غزة عام 1996. وساهمت المرأة الفلسطينية بفعالية في الانتفاضة، ولعبت دوراً مهماً في النشاطات والفعاليات الانتفاضية، وبخاصة في السنوات الأولى للانتفاضة.

ومع مرور الوقت؛ أصبحت المرأة المقدسية أفضل حالاً من المرأة في كثير من البلدان العربية والإسلامية؛ حيث اقتحمت مجال التعليم لدرجة أنها أصبحت تشكل نصف أعداد الطلبة في مختلف المراحل الدراسية؛ واقتحمت مجال العمل لتشكل جزءاً كبيراً من القوى العاملة في المجتمع الفلسطيني، وأصبحت تتبوأ المناصب القيادية العليا، فمنها: الوزيرة، ومنها عضو البرلمان، ناهيك عن ممارستها للمهن الراقية: كالطب، والهندسة، والمحاماة. 

 الممارسات الاسرائيلة ضد المقدسيات

بيّن المؤلف ما تتعرض له سيدات بيت المقدس وغزة من من ممارسات إسرائيلية ظالمة حيث تتعرض المقدسيات منذ عام 1967 إلى الآن، لسحب هوياتهن وتجريدهن من حقوق إقامتهن، ومن أبسط حقوقهن، فاختيار شريك الحياة يعد جريمة في عرف الاحتلال لأن المقدسية إذا قررت الارتباط بشاب من الضفة الغربية أو قطاع غزة، فإن الاحتلال يسلب منها هويتها ويحكم عليها وعلى شريك حياتها وعلى أطفالها بالشتات بقية حياتهم. فتخوض المقدسيات حرباً مريرة مع الاحتلال للاحتفاظ بالهوية وحقوق الإقامة وكذا لم شمل الأزواج والأولاد الذين يعيشون في حالة شتات. وذلك لما للإبعاد عن القدس الشريف من تداعيات غاية في الخطورة؛ أولاها تنفيذ مخطط الاحتلال القاضي بتهويد جميع شوارع وطرق وأزقة البلدة القديمة ابتداء من باب الخليل ووصولاً إلى تهويد المفاصل الرئيسة في القدس وما يتبعه من شل للحركة الدينية والاقتصادية والاجتماعية.

لم يترك الاحتلال حيلة إلا سخرها لدفع المقدسيات وعوائلهن إلى الهجرة نحو الضواحي، فتتكبد المرأة المقدسية الويلات يومياً في الدفاع عن منازلهن حيث تعمد جيوش الاحتلال إلى هدم البيوت أو الاستيلاء عليها أو مصادرتها لإسكان المستوطنين داخلها. فمنهن من جادت بكل ما تملك وصبرت على شظف العيش لتتمكن من دفع الضرائب الباهظة المفروضة بسبب أو من غير سبب من قبل سلطات الاحتلال، متشبثات ببقائهن في مدينة القدس رغم المضايقات المستمرة من جنود الاحتلال والمستوطنين.

يًضاف إلى كل هذه المعاناة حملات الانفلات العنصري من قبل المستوطنين الذين أذن لهم بحمل السلاح بشكل دائم، ما زادهم جرأة على التخريب والشغب وإثارة الفوضى وأعمال العنف واستفزاز المسلمين خصوصا النساء. إذ يقومون بالتعدي على المقدسيات بالضرب والركل والشتم والصراخ وإطلاق الهتافات العنصرية الهستيرية ونزع حجابهن ومطاردتهن التي تصل غالباً إلى اقتحام البيوت وتخريب الممتلكات، وذلك على مرأى ومسمع من جيش الاحتلال، الذي لا يتدخل إلا لحماية مستوطنيه من ردة فعل المقدسيات، اللواتي يقفن بكل شموخ مدافعات عن شرفهن وحرمة بيوتهن من أن تدنسها أيادي المغتصبين.

أما بالنسبة لجرأة المستوطنين على اقتحام المسجد الأقصى فتهب المقدسيات وأطفالهن للحيلولة دون تدنيسه من قبل هذه الجماعات المتطرفة الهمجية الفاشية، فتقفن سداً منيعاً تفدينه بالنفس والنفيس تارة بالكلمة القوية وتارة بالشعارات المدوية وتارات عدة بالتدافع مع المستوطنين غالبا ما تنتهي بإصابتهن بجروح متفاوتة الخطورة. 

السيدات المقدسيات مصنع الرجال

أظهر المؤلف الدور الأساسي للمرأة المقدسية فهي مصنع الرجال والأبطال حيث أدركت المقدسيات أن الاحتلال الغاشم يسعى للقضاء على المقدسيين وإنهائهم، لذا حرصت حرصاً كبيراً على الإنجاب لما له من أهمية في ظروف حرب الإبادة التي يعيشونها، فأنجبن بكثرة وربين أجيالاً من المجاهدين الأحرار. فلا عجب أن ترى أطفالاً يقفون في وجه الدبابات وفي وجه جيش يحمل الرصاص المدجج ويختبئ من حجارة صبي. لا عجب أن ترى رضيعاً تنتصب رضاعتهم في وجه الجنود. ولا عجب أن ترى صبياً تفيض روحه وهو يحمل شارة النصر. ولا عجب أن ترى طفلاً يقتاده جنود الاحتلال سحلاً وهو يكبّر. ولا عجب أن ترى فتاة في عمر الزهور تلقي حقيبتها المدرسية لتحمل السلاح “الحجارة” وهي عائدة من مدرستها حين اشتبكت أمهاتها مع العدو.

من أي طينة هن هؤلاء النساء اللواتي استطعن أن يحافظن على معنويات أزواجهن وأبنائهن مرتفعة في ظل الظروف التي يعيشونها يومياً ومنذ ما يزيد عن 70 سنة، مواجهات مستمرة، تفقير ممنهج، استفزازات بالجملة، تهجير مدبر تداعت المصائب والنوائب فلم تنل من عزمهن بل زادتهن ثباتًا على الموقف.

لا عجب لأنهن فهمن أن وقود الجهاد قيام الليل والصلوات والتبتل والدعاء والبكاء بين يدي المولى عز وجل. فمن قلبه معلق بربه يمدده ربه بالقوة والعزم ويبدل حزنه فرحا وضيقه سعة، لذا تودع الأم الشهيد وهي تكبّر وتودعه وداع من يرى عين اليقين مقامه في الجنة. تودعه وتحمله رسائل إلى الآخرة.

نماذج من سيدات مقدسيات

   يعرض المؤلف في هذا الكتاب ترجمة 270 سيدة من مواليد القدس لها باع في التعليم والصحة والسياسة والنضال ضد الانتداب البريطاني والاحتلال الصهيوني لفلسطين نذكر فقط أمثلة منهن وليس جميعهن: السيدة أسماء إبراهيم عطية قامت بتأسيس مدرسة ابتدائية في دورا جنوبي الخليل فكان لها دور في تعلم الكبار في مدينة الخليل، والسيدة اعتدال الأشهب من مواليد القدس عضو في المجلس التشريعي الفلسطيني، عضو في مجلس أمانة القدس (بلدية القدس) ،  ونائبة رئيس اتحاد الجمعيات الخيرية في القدس.  والسيدة اليزابيث حنا موسى ناصر أول امرأة تشغل منصب مدير دائرة الشؤون الاجتماعية في القدس. والسيدة إنعام نور أسعد سنقرط من رائدات التعليم في القدس، والسيدة انتصار حمزة جردانة درست في الجامعة الأميركية في بيروت، عضو حركة القوميين العرب انتقلت إلى عمان وأسست جمعية الثقافة العربية،  والسيدة أولغا عساف، أول طالبة مقدسية تخرجت من الجامعة الأميركية في بيروت.