دلالات الحديث عن قوات سعودية إلى شرق الفرات

0
212

This post has been read 132 times!

دلالات الحديث عن قوات سعودية إلى شرق الفرات

الإشكالية في التوجّه الجديد ليست الاستفاقة العربية المُتأخِّرة على احتضان سوريا والاعتراف بخطأ عَسكَرة النزاع فيها، وإنما بتكريس الخطأ نفسه أو إعادته مع تدويرٍ لبعض الزوايا فيه. فهو يأتي بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين لا همّ لهما سوى أمن واستقرار إسرائيل، وتحقيق مصالحهما من دون اعتبار لأية مصلحة عربية.

لم تتحقّق رغبات ترامب في المنطقة، فتعثَّر مشروع صفقة العصر

لم تتحقّق رغبات ترامب في المنطقة، فتعثَّر مشروع صفقة العصر

مع تحالف واشنطن الذي كانت الدول الخليجية جزءاً أساسياً منه، لم يقتصر دورها على الدّعم المالي أو اللوجستي، بل انخرطت في العمليات العسكرية ونفَّذت ضربات جوية تحت قيادة الولايات المتحدة. نتذكَّر كيف أسقط “داعش” طائرة عسكرية أردنية فوق سوريا وحرق قائدها معاذ الكساسبة لاحقاً في مشهدٍ هزَّ العالم ببشاعته.

ومع تطوّر النزاع في سوريا ظهرت التبايُنات بين الحلفاء. فالتردّد الذي أظهره الرئيس أوباما من فكرة التدخّل العسكري الأميركي المباشر في سوريا رغم الإغراء الخليجي، ما لبث أن تحوَّل إلى استهجانٍ خليجي بعد توصّل الولايات المتحدة إلى جانب الدول الكبرى إلى اتفاقٍ شاملٍ مع إيران حول برنامجها النووي، من دون عِلم أو تشاور أميركي مُسبَق مع السعودية والإمارات العربية اللتين اعتبرتا الأمر طعنة مؤلمة في الظهر.

ثم أتبع أوباما رؤيته لدور إيران في الشرق الأوسط بالقول: الصراع الإيراني السعودي لا شأن للولايات المتحدة فيه. وعلى البلدين حلّ خلافاتهما في ما بينهما من دون زجّ البيت الأبيض في الأمر، وهو ما أغضب الرياض وأبو ظبي اللتين دعمتا سرّاً دونالد ترامب الذي كان يُنافس هيلاري كلينتون على رئاسة الولايات المتحدة.

ومع وصول ترامب إلى سدَّة الحُكم، تبنَّت إدارته رؤية مُغايرة ونقيضة لرؤية أوباما حول طبيعة العلاقة التي يُفترض أن تربط الولايات المتحدة بالسعودية، وحول طبيعة التنافُس السعودي الإيراني في الشرق الأوسط. فنقضَ الاتفاق النووي مع إيران وتبنّى جانب السعودية في الصراع مع طهران التي حمّلها ولا يزال مسؤولية زعزعة الاستقرار والأمن في المنطقة والعالم، في مقابل الرِهان على إنهاء النزاع العربي الإسرائيلي عبر صفقة القرن وتشكيل حلف عربي إسرائيلي لمواجهة إيران وقوى الإسلام السّياسي، التي يكنّ لها ترامب العداء الشديد لأسبابٍ تبدو أيديولوجية أكثر منها سياسية. فساءت علاقات الولايات المتحدة في عهده بتركيا وراحت تتأرجح بين الفتور والتدهور. وزاد الدعم للقوى الكرديّة الداعية للانفصال عن سوريا. كما سُمح لكرد العراق بجسّ نبض بغداد وطهران وأنقرة المُتضرّرة من نشوء كيان كردي عبر محاولة الاستقلال التي انتهت بهزيمةٍ عسكريةٍ لقوات البيشمركة أمام القوات العراقية التي أنهت محاولات الانفصال على المدى القريب.

لم تتحقّق رغبات ترامب في المنطقة، فتعثَّر مشروع صفقة العصر، وتزلزل المحور الدّولي لمواجهة إيران بعد الحِصار الذي فُرِضَ على قطر خليجياً ومصرياً، وعجز التحالف السعودي الإماراتي عن إلحاقِ هزيمةٍ بالحوثيين في اليمن. ومع استبعاد تركيا من مشاورات التحالف الإسلامي في الرياض، ثمّ تم استعداؤها لاحقاً عبر دعم الحركة الانقلابية فيها يكون ترامب فقد أغلب أوراق الضغط على إيران باستثناء العقوبات الاقتصادية التي من المشكوك فيه أن تحدث تأثيراً كبيراً على السياسة الإيرانية، أقلّه خلال ولاية ترامب الرئاسية.

بعد فشلٍ دام سبع سنوات في محاولات إسقاط الرئيس الأسد، بدأت لعبة من نوعٍ جديدٍ في احتواء النفوذين الإيراني والتركي في سوريا.

صحيفة يني شفق التركية قبل أيام تنفرد بنشر خبرٍ حول انتشار قوات سعودية إماراتية في شرق شمال سوريا. وبغضّ النظر عن مصداقية الخبر. فإن الحديث عن فكرة نَشْر قوات عربية في سوريا من دون إذن من دمشق ليست جديدة. فقد ظهرت منذ عام 2015. ثم في شهر نيسان الفائِت، أعربت السعودية على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير عن استعدادها لإرسال قواتٍ سعوديةٍ كجزءٍ من تحالفٍ عربي وإسلامي لمُحاربة الإرهاب في سوريا.

وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” في حينه عن مشاوراتٍ يُجريها مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جون بولتون مع عددٍ من الدول العربية بما فيها مصر للتباحُث حول إمكانية نَشْر قوات عربية بديلة للقوات الأميركية، تحت عنوان حفظ الاستقرار في شمال شرق سوريا بعد هزيمة تنظيم “داعش”. وتنقل الصحيفة عن مؤسّس الشركة الأمنية الخاصة “بلاك ووتر” إريك برنس تأكيده وجود مُباحثات بينه وبين مسؤولين عرب حول تشكيل قوّة عربية تنتشر في سوريا.

وتكتسي خبرية يني شفق أهمية كونها تتزامن مع عدّة أحداث تقوّي ما ذهبت إليه الصحيفة المُقرَّبة من النظام الحاكِم في أنقرة.

فاليوم يتمّ الحديث عن محاولات دول خليجية عدّة لإعادة ترميم العلاقات مع دمشق بعد أن سبقتها دول عربية أخرى لم تقطع علاقاتها بشكلٍ نهائي مع الرئيس الأسد في السنوات السابقة. والهدف المُستجدّ من هذا التحوّل الجذري في التعاطي مع الأزمة السورية محاولة احتواء النفوذين التركي والإيراني عبر مُقاربة جديدة تقضي بإعادة دعم الرئيس الأسد في تثبيت أركان حُكمه، والتعهّد بتمويل إعمار سوريا، وفكّ العزلة الغربية عنه مقابل التعهّد بإبعاد الإيرانيين عن البلاد من ناحية، والشروع بالتعاون مع الكرد في الشمال الشرقي لاستنزاف الأتراك وتقطيع الروابط بينهم وبين الفصائل المُسلّحة التي تدعمها أنقرة في سبيل الحدّ من الوجود والنفوذ التركيين. ويقدّم كلّ ذلك تحت شعار إعادة سوريا وقضيتها إلى الحضن العربي.

الإشكالية في التوجّه الجديد ليست الاستفاقة العربية المُتأخِّرة على احتضان سوريا والاعتراف بخطأ عَسكَرة النزاع فيها، وإنما بتكريس الخطأ نفسه أو إعادته مع تدويرٍ لبعض الزوايا فيه. فهو يأتي بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين لا همّ لهما سوى أمن واستقرار إسرائيل، وتحقيق مصالحهما من دون اعتبار لأية مصلحة عربية.

فأيّ مشروع تسليح عربي لقوى انفصالية من دون مظلّة من الدولة السورية يعني تكرار النموذج الخاطئ الذي كاد أن يدمِّر سوريا دولة وشعباً خلال السنوات الفائتة. وكما فتح المجال واسعاً أمام قوى إقليمية ودولية للتدخّل في سوريا في حينه، فإن الأمر قد يعود من جديد تحت شعارات أخرى.

هذا المشروع لن يخدم السعودية ولا الإمارات ولا أيّة دولة عربيه أخرى في تحقيق أهدافها في الحدّ من النفوذين الإيراني والتركي في سوريا ، طالما أنّه يأتي مرسوماً من قِبَل الولايات المتحدة، ومُفصَّلاً على مقاس المصالح الإسرائيلية.

الحلّ الأمثل لعودة سوريا إلى حاضنتها العربية تركُ الشعب السوري يُحدِّد مصيره بنفسه، بعيداً عن أجندات أو مشاريع تبدو في ظاهرها عربية قومية، وفي عُمقها تدويل للصراع وإعادة إنتاجه.